الذهبي
706
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
لهم وأكل ممّا قدّموا له ، وكان المتكلّم الصاحب ابن الشَّيْرجيّ والذي دعا للملك الخطيب ابن جماعة ، وقالوا لهم : قد بعثنا لكم الأمان قبل أنّ تجيئوا . وذكروا أنّ الملك ينزل بالمرج ، وأنّه لا يفتح إلا باب واحد . وحضر يوم السبت إِسْمَاعِيل ومعه الأمير مُحَمَّد فِي خدمتهما طائفة من التَّتَار إلى مقصورة الخطابة بعد الظُّهر فجلسا بها ، وحضر الخطيب وابن القلانسي ، وابن الشيرجي ، وابن منجى ، وابن صَصْرَى ، وطائفة ، واجتمع الخلْق لسماع الفَرَمان ، قرأه رَجُل من أعوان التَّتَار ، وبلّغ عَنْهُ المجاهد المؤذن ، وهو : " بقوة اللَّه تعالى ، ليعلَمْ أمراء التُّومان والألف والمائة وعموم عساكرنا من المغول والتازيك والأرمن والكُرْج وغيرهم ممّن هُوَ داخل تحت طاعتنا ، إنَّ اللَّه لمّا نوّر قلوبنا بنور الإسلام وهدانا إلى ملة النبي عليه السلام { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذكر الله أولئك في ضلال مبين } ، ولمّا سمعنا أنّ حكّام مصر والشام خارجون عن طرائق الدِّين ، غير متمسّكين بأحكام الإسلام ، ناقضون لعهودهم ، حالفون بالأيمان الفاجرة ، ليس لديهم وفاء ولا ذمام ولا لأمورهم التئام ولا انتظام ، وكان أحدهم إذا تولّى { سَعَى فِي الأرض } الآية ، وشاع أنّ شعارهم الحَيْف على الرعيّة ، ومدّ الأيدي الباغية إلى حريمهم وأموالهم ، والتّخطي عن جادّة العدل والإنصاف ، وارتكابهم الجور والاعتساف ، حَمَلَتْنا الحميَّة الدّينيَّة والحفيظة الإسلاميّة على أنّ توجّهنا إلى تلك البلاد لإزالة هذا العدوان ، مستصحبين للجمّ الغفير من العساكر ، ونذرنا على أنفسنا : إنْ وفَّقنا اللَّهُ تعالى بحَوْله وقوّته لفتْح تلك البلاد أنْ نُزيل العدوان والفساد ، ونبسط العدل فِي العباد ، ممتثلين الأمر المطاع الإلهي { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية ، وإجابة إلى ما ندب إليه الرَّسُول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم ، وما وَلَّوْا " ، وحيث كانت طَويتُنا مشتملة على هذه المقاصد الحميدة ، والنُّذور الأكيدة ، مَنّ اللَّه علينا بتبلج تباشير النصر المبين ، وأتم علينا نعمته